شعر للمتنبي عَن الوفاء

ابيات مِن الشعر لمعرفة العدو مِن الصديق شعر المتنبي عَن الصداقة

ورد فِي لسان العرب لابن منظور: الصدق: نقيض الكذب, ومن امثالهم امثال العرب الصدق ينبئ عنك لا الوعيد, والصديق: المصدق والصديق: المصادق لك.
ويقال: فلان صِديقي
اي اخصِ اصدقائي
وإنما يصغر علي وجه المدح
والصداقة والمصادقة: المخالة وصدق النصيحة والاخاء, وصادقته مصادقة وصداقا: خاللته
وجمعها خِلال, والخلة: الصداقة المختصة الَّتِي ليس فيها خلل
وجمعها خِلال, والخلال والمخالة: الصداقة
والخل: الود والصديق
والخليل: الصديق
والود: مصدر المودة.
قال ابن سيدة: الود الحب يَكون فِي جمع مداخِل الخير
والتجمل: تكلف الجميل
والمجاملة: المعاملة بالجميل والمجامل: الَّذِي يقدر علي جوابك فيتركه ابقاءَ علي مودتك
والالف: الَّذِي تالفه
والالف: الاليف
يقال: حنت الالف الي الالف
والرضا: ضد السخط
والحب: نقيض البغض
والحب: الوداد والمحبة, والشك: نقيض اليقين
وجمعه شكوك.
العلاقات الاجتماعية والانسانية مُهمة جداً بَين الناس
ومن أهم هَذه العلاقات ما نسميه بالصداقة
وقد تَكون الصداقة والمحبة والود بَين شخصين لفترة محدودة تتداخِل فيها المصالح والرغبات
والاهداف
فاذا ما انتفت هَذه الاهداف فقد ينصرم عقد الصداقة
وهَذا مما يجعل ا حتمالا أحد الطرفين الصادق فِي صِداقته يشعر بالحزن والاسي والالم
عندما يكتشف حقيقة صِاحبه
وهَذا ما نراه فِي عصرنا الحاضر حيثُ تلعب المصالح والوصولية والانتفاع
وحب المظاهر ادوارا مُهمة فِي ماهية الصداقة واهدافها
ويبدو ان ما يعانيه الانسان أو بَعض الناس فِي عصرنا مِن هَذه الناحية
ما هُو الا ظاهرة انسانية متاصلة فِي حيآة البشر علي مر العصور, وهنا نحاول ان نتتبع وجهة نظر ومفهوم شاعر العربية الفذِ المتنبي فِي الصداقة بَين اناس عصره الَّذِي يسبق عصرنا بمئات السنين ونقارنه فيما هُو حادث فِي عصرنا الحاضر
وهل ما كَان ينطبق علي بَعض اناس عصر الشاعر ينطبق علي بَعض اناس عصرنا؟
قال ابو الطيب المتنبي فِي قصيدة يعاتب بها صِديقه سيف الدولة:
1 شر البلاد بلاد لا صِديق بها
وشر ما يكسب الانسان ما يصم
يقول العكبري فِي شرح هَذا البيت: يصم: يعيب, والوصم: العيب, وجمعه: وصوم والوصم: الصدع فِي العود مِن غَير بينونة, والمعنى: يقول: شر البلاد بلاد لا يُوجد فيها مِن يؤنس بوده
ويسكن الي كريم فعله
وشر ماكسبه الانسان ما عابه واذله,وقال المتنبي فِي قصيدة يمدح بها محمد بن سيار بن مكرم التميمي:
2 ومن نكد الدنيا علي الحر ان يرى
عدوا لَه ما مِن صِداقته بد
يقول العكبري عَن هَذا البيت: المعنى: يقول: مِن نكد الدنيا
وقلة خيرها ان الحر يحتاج فيها الي اظهار صِداقة عدوه ليامن شره
وهو يعلم أنه عدوه
وهو لا يجد بدا مِن ان يريه الصداقة مِن نفْسه
دفعا لغائلة
واراد ما مِن مداجاته مخادعته
ولكنه سمي المداجآة لما كَانت فِي صِورة الصداقة
ولما كَان الناس يحسبونها صِداقة.
وقال الشاعر فِي قصيدة يمدح بها كافورا:
3 كفي بك داءَ ان تري الموت شافيا
وحسب المنايا ان يكن امانيا
4 تمنيتها لما تمنيت ان ترى
صديقا فاعيا أو عدوا مداجيا
يقول العكبري عَن البيت الثالث: المعنى: كفاك داءَ رؤيتك الموت شفاءَ أي إذا افضت بك الحال الي ان تتمني المنايا
فذلِك غاية الشدة
وان داءَ شفاؤه الموت
اقصي الادواء
وان المنية إذا صِارت امنية فَهي غاية البلية, والمعنى: كفاك مِن اذية الزمان ما تتمني معه الموت
ويقول العكبري عَن البيت الرابع: اعيا: صِعب وعز والمداجي: المساتر للعداوة
وهو مِن الدجى
وهي الظلمة والمعنى: يقول: تمنيت الموت لما طلبت صِديقا مصافيا فاعجزك
او عدوا ساترا للعداوة
وعِند عدَم الصديق المصافي
والعدو الموافق
يتمني المرء المنية قال الواحدي: هَذا تفسير الداءَ المذكور فِي البيت, الثالث

لقد بَين ابو الطيب المتنبي فِي بيته الاول مِن ابياته الاربعة السابقة ان الانسان قَد يصيبه الاحباط
وتضيق بِه الدنيا بما رحبت عندما لا يجد ممن حوله مِن الناس مِن يركن اليه ويشعر بصدق صِداقته ومودته له
ويصاب المرء الحر المثالي بالنكد والنفصِ والحزن عندما تضطره الحال ان يبدي صِداقته ومودته لشخصِ يعرف تمام المعرفة كَما يقول الشاعر فِي بيته الثاني مقته وعداوته له, وهَذا مما قَد نراه فِي بَعض الناس فِي حياتنا المعاصرة
اما لخوف مِن ذِلِك الشخصِ أو هدف لتحقيق مصلحة معينة أو درء لزوال نعمة
ويوضح شاعرنا المتنبي فِي بيته الثالث والرابع ان افتقار المرء لصديق صِادق صِدوق مخلص
ومصادقته رغم انفه لعدو ساتر لعداوته وهو يحس فيها قَد يصبح الموت عنده امنية
ونحن نسمع فِي عصرنا الحاضر عَن ازدياد ظاهرة الانتحار بَين الناس حتّى فِي دول متمسكة بعقيدتها وبروابطها العائلية والاجتماعية والَّتِي ربما يَكون مِن أحد اسبابها انعزال الفرد عَن محيطه
وتقوقعه علي ذِاته
وعدَم وجود مِن يؤانسه ويصادقه ويصدق معه,وقال ابو الطيب فِي قصيدة يمدح بها سيف الدولة
ويذكر ايقاعه بقبائل العرب:
1 وما بلد الانسان غَير الموافق
ولاهله الادنون غَير الاصادق
2 وجائزة دعوي المحبة والهوى
وان كَان لا يخفي كلام المنافق
يقول العكبري فِي شرح البيت الاول: الاصادق: جمع صِديق
وهم الَّذِين يصدقون الود
وفسره الواحدي بالاصدقاء
والادنون: الاقربون والمعنى: يقول هَذا حاثا علي التغرب وترك حب الاوطان
وان كُل بلد وافقك فَهو بلدك
وكل اهل ود اصفوك ودهم اهلك
فما بلد الانسان الا الَّذِي يوافقه
ويساعده علي الظفر بجملة مقاصده والادنون مِن اهله: اللاصقون بِه مِن قرابته الَّذِين يصفونه ودهم
والاحبة: الَّذِين لا يؤخرون عنه فضلهم ويقول العكبري عَن البيت الاخر: المنافق: الَّذِي يظهر خلاف ما يعتقده
والمعنى: يقول: يجوز ان يدعي المحبة مِن لا يعتقدها
ويظاهر بها مِن لا يلتزمها
ولكن المنافق لا يخفي اضطراب لفظه
وهَذا اشارة الي ان شكره لسيف الدولة ليس كشكر مِن يتصنع له
ولا يخلصِ لَه حقيقة وده.
يقول شاعرنا ابو الطيب المتنبي فِي بيتيه السابقين: بلد الانسان هُو البلد الَّذِي يشعر بِه بالكرامة والعز والراحة النفسية
والصديق الوفي المخلصِ فِي صِداقته الخالصِ فِي محبته خير مِن القريب اللاصق بقرابته إذا لَم يكن صِادقا فِي وده ومحبته
وقد ينخدع بَعض الناس باشخاصِ يظهرون الصداقة والمحبة والمودة
ولكنهم منافقون غَير صِادقين فِي ذِلك,, وهَذا ما نراه فِي عصرنا الحاضر
فقد يَكون الاخ الشقيق أو ابن العم القريب مخادعا ومنافقا فِي حبه ومودته وصداقته لغرض مِن الاغراض
او للحصول علي منفعة معينة
وعندما ينتفي ذِلِك يظهر مِنه الجفاءَ ومحاولة الابتعاد
فما بالك بالناس الاخرين
وقد ينخدع بَعض الناس بسلوك غَيره مِن الناس لفترة قَد تطول أو تقصر
ولكن الزمن يَكون بالمرصاد لكشف الحقيقة المرة, يقول نافع 1403ه 1983م يري المتنبي فِي الاخلاق العالية الدعامة الاساسية للصدق
وان الحكم الاول والاخير علي هَذا الصديق يعود اليها, وان هَذه الاخلاق ينبغي ان تَكون طبعا له
لا يتكلفها
فان المرء يستطيع ان يدعي المودة والحب والهوى
ولكنه إذا كَان منافقا فلابد للايام ان تفصحه, لقد اشار شاعرنا فِي بيته الاول مِن بيتيه السابقين الي ظاهرة الانعزال وهي سلوك قَد يقُوم بِه الشخصِ عندما يكتشف حقيقة علاقته بالناس الاخرين وحتي باقرب اقربائه فيلجا الي وسيلة الابتعاد والتغرب
او الي الانعزال والتفرد عَن الناس
وتعرف الموسوعة الامريكية 1985م الشخصِ المنعزل بانه ذِلِك الانسان الَّذِي يعيش حيآة مَنعزلة عَن الاتصال الاجتماعي مَع الاخرين وقد ينعزل الانسان لعدة اسباب
فَهو يُمكن أنه يُريد تجنب ما يراه فِي المجتمع مِن حوله مِن سوء اخلاق وغيرها
او أنه يعتقد أنه يحمي نفْسه مِنهم بعيشه المنفرد
وقد ينعزل ليعطي نفْسه الفرصة للتفكير والتامل,, لقد سمعنا ولا نزال نسمع فِي عصرنا الحاضر انعزال اشخاصِ اصحاب فكر وعلم وادب بسَبب ما لا حظوه فِي مجتمعاتهم مِن فساد اخلاق.
وقال شاعرنا المتنبي فِي قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
1 إذا ما الناس جربهم لبيب
فاني قَد اكلتهم وذاقا
2 فلم ار ودهم الا خداعا
ولم ار دينهم الا نفاقا
يقول العكبري فِي شرح البيت الاول: المعنى: يقول: معرفتي الناس
أكثر مِن معرفة اللبيب المجرب
لاني اكل وهو ذِائق
والذائق ليس فِي المعرفة كالاكل
لان الاكل اتم معرفة مِن الذائق
وذلِك لتمكين فِي اختبارهم واحاطتي بمعرفتهم
ويقول العكبري عَن البيت الاخر: المعنى: يقول: لَم ار ما يتجاورون فيه مِن الود الا الخداع والمكاذبة
وما يبدونه مِن الدين الا نفاقا.
لقد اشار شاعرنا المتنبي فِي بيته هذين الي سلوكين متعارضين ومتباينين فِي بَعض الاشخاص
فقد يظهر شخصِ لشخصِ آخر الود والمحبة والصداقة
ولكنه يضمر عكسها
كَما انك قَد تجد بَعض الافراد يظهر الورع والتدين
وهو فِي حقيقة امَره ما هُو الا منافق ومخادع لاسباب معينة عنده
وهَذا ما نشاهده فِي عصرنا الحاضر فِي عديد مِن الناس
فقد تجد هَذا التباين فِي السلوك عِند اخيك
او جارك
او زميلك فِي عملك,,!!وقال الشاعر فِي قصيدة يمدح بها كافورا:
1 أقل اشتياقا ايها القلب ربما
رايتك تصفي الود مِن ليس جازيا
2 خلقت الوفا لَو رحلت الي الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
يقول العكبري عَن البيت الاول: الود: المحبة
وتصفي: تخلصِ والمعنى: يقول لقلبه: لا تشتق الي مِن لا يشتاق اليك فانك تحب مِن لا يجازيك بالمحبة,, ويقول العكبري عَن البيت الاخر: المعنى: قال ابو الفتح: هَذا شرح لما قَبله
ودليل علي أنه فارق سيف الدولة ذِاما
لانه جعله كالشيب
اي لَو فارقت الشيب الذميم برحيلي الي الصبا
وهو خير حيآة الانسان
لكان ذِلِك الفراق موجعا لقلبي
مبكيا لعيني
وقال الواحدي: هَذا البيت راس فِي صِحة الالف
وذلِك ان كُل أحد يتمني مفارقة الشيب
وهو يقول: لَو فارقني شيبي الي الصبا
لبكيت عَليه لالفي اياه
لاني خلقت الوفا,هَذه هِي مشكلة المتنبي فِي عصره
فلا دخل لعصرنا فيها
لان اغلب الناس فِي عصرنا لا يعرفون للالفة والمودة والمحبة والاخلاصِ سبيلا أو طريقا الي قلوبهم
واخلوا مِن قواميسهم هَذه الكلمات الجوفاء
فهَذه الكلمات ما هِي الا كحصان طروادة تستخدم لاغراض ومارب معينة
فاناس عصرا وربما اغلب الناس فِي عصر الشاعر عندما قرؤوا أو يقرؤون بيتي شاعرنا السابقين لانطلقت حناجرهم باصوات القهقهة والضحك والاستهجان تسفيها لراي شاعرنا.
وقال ابو الطيب فِي قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
1 غَيري بأكثر هَذا الناس ينخدع
ان قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا
2 اهل الحفيظة الا ان تجربهم
وفي التجارب بَعد الغي ما يزع
يقول العكبري عَن البيت الاول: الخداع: الغرور
واصله مِن خدع الضب فِي حجره: إذا دخل فيه
والخداع: ان يتمكن الكلام الباطل فِي قلب مستمعيه فينخدع
والاسم: الخديعة
والخدعة
والمعنى: لا اعتقد فِي هؤلاءَ الناس الخير
ولكن غَيري ممن يجهل امرهم يغتر بقولهم
فينخدع به
لانهم إذا قاتلوا جبنوا
واذا حدثوا اظهروا الشجاعة
اي ان شجاعتهم القول لا بالفعل
ويقول العكبري عَن البيت الاخر: الحفيظة: الحمية والانفة, والغي: الفساد
ويزع: يكف
والمعنى: يقول: هُم اهل الحفيظة غَير مجربين
فاذا جربتهم لَم ترهم كذلك
وفي تجربتهم ما يكف عَن مخالطتهم.
يعرف بَعض مِن الناس فِي عصرنا الحاضر ان اغلب مِن يتعاملون معهم مِن الناس مبنية حياتهم وسلوكياتهم علي الغش والخداع والكلام المنمق والتظاهر بالمثل والاخلاق الرفيعة
ولكنهم فِي الحقيقة يظهرون ما لا يبطنون
ويقولون ويعدون ولا يفعلون
ويبدون المحبة والصداقة,, و,, ويبطنون الكره والبغضاءَ والحسد
ومع معرفة الانسان لحقيقتهم
فليس لَه لا حَول ولا قوة
ولا شجاعة لنبذهم والابتعاد عنهم لتداخِل المصالح المعيشية فِي زمننا المعاصر,, وقال المتنبي فِي قصيدة يذكر فيها مسيره مِن مصر ويرثي فاتكا؟
1 وكن علي حذر للناس تستره
ولا يغرك مِنهم ثغر مبتسم
2 غاض الوفاءَ فما تلقاه فِي عدة
واعوز الصدق فِي الاخبار والقسم
يقول العكبري عَن البيت الاول: المعنى: يقول: احذر الناس
واستر حذرك مِنهم
ولا تغتر بابتسامهم اليك
فان خدعهم فِي صِدورهم
فهم يضمرون فِي قلوبهم ما لا يبدون لك مِن المكر
وهَذا مِن قول الحكيم: الحيوان كله متغلب
وليس مِن السياسة شكوي بَعض الي بَعض
ويقول العكبري عَن البيت الاخر: المعنى: نقصِ الوفاء
فما تراه فِي عدة وعد
يَعني إذا وعدك أحد بشيء فما يصدق فيه
واذا حلف لَم يصدق.
نحس ونحن نقرا بيتي شاعرنا المتنبي هذين وكانه يعيش بيننا فِي عصرنا الحاضر
فكم وكم مِن انسان فِي عصرنا الحالي يبتسم لانسان آخر ابتسامات عريضة
وخلف هَذه الابتسامات يخفي حقده وغله ومكره عَليه
وقد يحلف ويقسم باغلظ الالفاظ بان يفعل لَه كذا وكذا
ويعده بهَذا وذاك
وهو غَير صِادق أو مخلصِ فِي قوله
وهَذا ضرب مِن ضروب الرياءَ والمخادعة
والرياءَ كَما عرفه علم النفس الحديث حالة مرضية
حيثُ يقُوم الانسان المرائي بافعال ظاهرة للعيان
ولكنها تعاكس ما يبطنه
ولذلِك قيل: الرياءَ يلبس الرذيلة ثوب الفضيلة
ولو عدنا مَرة اخري الي بيتي شاعرنا السابقين نجده يقول: لا يغرك مِنهم مِن الناس ثغر فم مبتسم
وهنا فقد لمح الشاعر أنه ربما يَكون خَلف الابتسامة السم الزعاف,, اما الكذب كَما يعرفه علم النفس سلوك يقُوم بِه الفرد متعمدا مَع علمه بَعدَم صِحة قوله,وقال الشاعر فِي قصيدة يذكر بها حماه الَّتِي كَانت تغشاه بمصر:
1 فلما صِار ود الناس خبا
جزيت علي ابتسام بابتسام
2 وصرت اشك فيمن اصطفيه
لعلمي أنه بَعض الانام
3 يحب العاقلون علي التصافي
وحب الجاهلين علي الوسام
يقول العكبري فِي شرح البيت الاول: الخب: المكر, والود: الحب والصداقة والمعنى: يقول: لما صِار ود الناس غَير صِادق
صرت كاحدهم
افعل بهم كَما يفعلون
فاذا ابتسموا الي
تبسمت لهم
ويقول العكبري عَن البيت الثاني: المعني يقول: لَم اكن علي ثقة مِن مودة مِن اوده
لعلمي أنه مِن جملة الناس يُريد: لعموم فساد الخلق كلهم
اذا اخترت احدا للمودة لَم اثق بمودته
ويقول العكبري عَن البيت الثالث: الوسام والوسامة: الحسن, والمعنى: يقول: العاقل إنما يحب مِن يحبه علي صِفاءَ الود
فمن اصفي لَه الود احبه
والجاهل يحب علي جمال الصورة
وذلِك حب الجهال
لانه ليس كُل جميل المنظر يستحق المحبة
كخضراءَ الدمن: رائق اللون
وبي المذاق.
نعتقد ان بَعض الاشخاصِ فِي عصرنا الحاضر وخصوصا فِي عصرته تجاربه مَع الناس يتبع فِي علاقته مَع بَعض الافراد ما فعله شاعرنا مَع الماكرين والمخادعين فِي عصره كَما بَين فِي بيته الثاني فاذا تبسم أو ضحك لَه شخصِ ماكر مخادع رد عَليه ابتسامة بابتسامة
وضحكة بضحكة
ولتفشي هَذه الظاهرة فِي عصرنا يشك بَعض الناس حتّى بصدق اقرب الناس اليه
وقد يقُوم بَعض ممن لَم تحكه التجارب مَع الناس باظهار المودة والصداقة لشخصِ معين لجمال صِورته
او لمكانته الاجتماعية أو حتّى لاسمه ومركزه,, اما العاقل المجرب فَهو يحب ويصادق علي صِفاءَ الود والصدق والمحبة ان وجدها فِي الطرف الاخر؟
يقول السيوفي 1980م فِي تعليق لَه علي الابيات السابقة: بَعد ان عرف المتنبي فِي حلب قوة الطموح
وروعه الحلم
ونشوة التحقيق إذا بِه هُنا فِي مصر وقدوهم ان الحال قَد تتغير يصطدم بهَذا الواقع المرير فالخداع صِار هُو الغالب
والمظاهر الفارغة الخلب الَّتِي سلبت مِن الابصار دهشتها حتّى احالتها جوفاءَ فارغة متحجرة
قد صِارت هِي المقياس والافق,, لقد ذِهب الود وصار ماضيا وحل مكانه الخب الدخيل, واذا بسمة الطهارة تفقد عذريتها لتسجيل قناع مِن الرياءَ الكاذب, وحار الشاعر كَيف يداوي ذِلك,, هُو الَّذِي ما اعتاد غَير الصدق والصراحة والاخلاص
وما كَان مِنه الا ان قابل ابتسامة عصره بابتسامة الرثاءَ والحسرة والاشفاق فالياس,, لقد تاكد المتنبي مما يقوله بَعد طول اختبار وتجربة, وقال ابو الطيب فِي قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
ما الخل الا مِن اود بقلبه
واري بطرف لا يري بسوائه
يقول العكبري فِي شرح هَذا البيت: الخل: الصديق
وهو الخليل أيضا والمعنى: قال ابو الفتح: يقول ليس لك خليل الا نفْسك, قال: ويجوز ان يَكون المعنى: ما الخل الا مِن لا فرق بيني وبينه فاذا وددت فكاني احب بقلبه
واذا نظرت فكاني انظر بطرفه.
والمعنى: خليلك مِن وافقك فِي كُل شيء
فيود ما وددت ويري ما تري وقال ابن القطاع: ما خليل الا الَّذِي يبالغ فِي المودة
فكانه يود بقلبي.
لقد بَين ابو الطيب فِي بيته هَذا مِن من الناس الَّذِي تنطبق عَليه الشروط والمواصفات بان يَكون خلا وصديقا,, ونعتقد ان ما قاله شاعرنا يعد مِن ثالث المستحيلات الخل الوفي بان تجد فِي عصرنا الراهن خلا وفيا صِادقا ولا فِي عصر شاعرنا ولا فِي العصور الَّتِي سبقته ولا بالعصور الَّتِي تلته
والادهي ان عصرنا عصر اختلطت فيه المفاهيم والقيم ولم يعد يعرف فيه مِن هُو الحابل ومن هُو النابل؟
وقال المتنبي فِي قصيدة يمدح بها عضد الدولة:
1 وفي الاحباب مختصِ بوجد
واخر يدعي معه اشتراكا
2 إذا اشتبهت دموع فِي خدود
تبين مِن بكي ممن تباكى
يقول العكبري عَن البيت الاول: المعنى: يقول: وفي الاحبة مِن وجده صِحيح لا دعوى
ومنهم مِن يدعي المحبة وليس هُو مِن اهلها وليس لدعواه حقيقة أو المعنى: أنه صِحيح الود ليس كمن يدعي الوداد مِن غَير حقيقة
او لست ممن يدعي محبتك الممدوح ويظهر غَير ذِلك
لان ما اشتهر فيك مِن صِحيح المدح يدل علي اني صِحيح الود
غير مداج فِي موالاتك.
لقد بَين شاعرنا المتنبي فِي بيتيه هذين ان بَعض الصداقات واظهار الود والمحبة هِي فِي حقيقتها صِادقة
ولكن قَد ينخدع المرء بالظاهر فعليه ان يتحري ويتبين مِن بكي صِادقا ومن تباكى
ومن يظهر المحبة ويدعيها صِدقا ومن يدعيها كذبا,, وهَذا التبين نعتقد أنه مستحيل فِي عصرنا لانه علي الاقل اعجز الناس فِي العصور الَّتِي قَبلنا.
وقال الشاعر فِي قصيدة يمدح بها بدر بن عمار:
1 إذا صِديق نكرت جانبه
لم تعيني فِي فراقه الحيل
2 فِي سعة الخافقين مضطرب
وفي بلاد مِن اختها بدل
يقول العكبري عَن البيت الاول: نكرت وانكرت: لغتان وعييت بامري: إذا لَم اهتد اليه واعياني هو, المعنى: يقول: إذا تغير علي صِديق وحال عَن ودي وانكرت احواله لَم تعجزني الحيلة فِي فراقه بل افارقه ولم اقم عَليه ويقول العكبري عَن البيت الاخر الخافقين: الشرق والغرب لان الريح تخفق فيهما والمضطرب موضع الاضطراب وهو الذهاب والمجيء, والمعنى: يقول البلاد كثِيرة
والارض واسعة فاذا لَم يطب موضع كَان لِي غَيره بدلا.
لقد وضح ابو الطيب فِي بيتيه السابقين الحل عندما يكتشف المرء تبدل وتغير احوال مِن يحبه ويوده ويصادقه فما عَليه الا ان يتجنبه ويرحل عنه,, وهَذا ما فعله الشاعر فِي عصره حيثُ امتطي ظهر جواده وفر,, اما فِي عصرنا فماذَا نركب وكيف نرحل
والناس هُم الناس فِي كُل مكان,, فما علينا الا المخاتلة والمخادعة.
وقال ابو الطيب المتنبي فِي قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
1 رضاك رضاي الَّذِي اوثر
وسرك سري فما اظهر
2 كفتك المروءة ما تتقي
وامنك الود ما تحذر
3 وسركم فِي الحشا ميت
اذا انشر لا ينشر
يقول العكبري فِي شرح البيت الاول: سرنا واحد
فما اظهر مِنه واذا رضيت امرا فَهو رضاي
وكذا إذا شخطته سخطته ويقول العكبري عَن البيت الثاني: المعنى: يُريد اني ذُِو مروءة ومحبة خالصة فلا افشي سرك ويقول العكبري عَن البيت الثالث نشر الله الموتي وانشرهم فنشروهم
وكله فِي الاحياء, والمعنى: يقول: السر لشدة اخفائه فِي قلبي هُو ميت اماتة لا يحيا بَعدها.
لقد حدد ابو الطيب فِي ابياته هَذه ما يَجب ان تَكون عَليه الصداقة والمحبة بَين شخصين مِن حفظ للمودة وللسر ولكن وبالرغم مِن قوله هَذا فقد انصرفت عري الصداقة والمحبة والود وكتمان الاسرار بينه وبين صِاحبه سيف الدولة
وهَذا لَم يترك لنا مجالا الا القول عما يسمي بالصداقة والود والمحبة فِي عصرنا الحاضر ماهِي الا كلمات جوفاءَ ليس لَها معني وهي ضروب مِن الرياءَ وخاتمة قولنا فِي هَذا الصدد هُو قول شاعرنا حيثُ يقول فِي قصيدة يمدح بها المغيث بن علي العجلي:
خليلك أنت لا مِن قلت خلي
وان كثر التجمل والكلام
يقول العكبري عَن هَذا البيت: الخليل: الصديق, والانثي خليلة, والخليل أيضا الفقير المختل الحال, والمعنى: يقول: ليس لاحد صِديق الا نفْسه فِي الحقيقة
وليس مِن تقول هو: خليلي خليلا لك وان كثر تملقه ولان لك قوله
صور شعر للمتنبي عن الوفاء

  • شعر في الوفاء
  • بيت شعر عن الوفاء
  • ابيات شعر عن الوفاء للمتنبي
  • المتنبي عن الوفاء
  • بيت شعر عن الوفاء للمتنبي

8٬075 مشاهدة

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى