مقالات ابن خلدون

صور مقالات ابن خلدون

لمنهج التربوي عِند ابن خلدون
في ضوء علم اللسان التربوي الحديث – المقدمة انموذجا


? ايار مايو ???بقلم فاتح زيوان

مقدمة

يعد البحث التربوي مِن الموضوعات المهمة الَّتِي شغلت بال واهتمام الدارسين قديما وحديثا،ونالت القسط الاوفر مِن دراستهم،اذِ التربية ليست بعملية خلق معدومة عِند الانسان،ولكنها صِقل وتطوير،وتهذيب لما هُو موجود عنده مِن استعدادات وقدرات؛ فالنتائج الحضارية محصلة مِن مجتمع عرف ازدهارا وركودا،اقبالا واحجاما
فشلا أو نجاحا
تعود الي التربية والتعليم،والي القائمين عَليها مِن حيثُ ادراكهم لمبادئها وقوانينها مِن ناحية،ومن حيثُ تطبيقهم لَها علميا مِن ناحية اخرى.

وقد غدت اليَوم قضية الاصلاح التربوي احدي القضايا المطروحة علي كافة الصعد
العالمية
والاقليمية،والمحلية
وهي ليست بالجديدة علي ساحتنا العربية
فقد كَان الاصلاح هاجسا ملحا لدي النخب السياسية والثقافية منذُ مطلع النهضة فِي القرن التاسع عشر
وان تعددت منظوراته وتباينت الوسائل المطروحة لتحقيقه
غير ان ما شهده العالم فِي الحقبة الاخيرة فيما صِار يعرف ب”العولمة” وما كشفت عنه الاحداث فِي المجال العربي،جعل خطاب الاصلاح يبرز مِن جديد،متفاعلا مَع معطيات العصر ومتغيراته
مشتملا علي اشكالات كثِيرة
مِنها الحكم الصالح والديمقراطية والشفافية وحقوق الانسان والتربية.

وايمانا منا بالتواصل المعرفي مَع الماضي
واحتفاءَ بالذكري المئوية السادسة لرحيل العلامة”عبد الرحمن بن خلدون” أحد الرموز الفكرية فِي الحضارة العربية الاسلامية،اترث المساهمة فِي هَذه المجلة العلمية بهَذه الورقة،الَّتِي تحمل عنوان “المنهج التربوي عِند ابن خلدون فِي ضوء علم اللسان التربوي الحديث”-المقدمة انموذجا”.

ونهدف مِن وراءَ ذِلِك الي استحضار جهوده التربوية؛ وذلِك بتسليط الضوء علي مِنهجه التربوي الَّذِي توخاه فِي تربية وتعليم النشء.

المنهج التربوي عِند ابن خلدون

لاريب ان ابن خلدون يحتل مكانة متميزة فِي تراثنا العربي والاسلامي،وحتي فِي الفكر الغربي المعاصر،وينظر اليه علي أنه صِاحب مشروع ورؤية حضارية خاصة،ولاسيما فيما يتعلق بدراسة التاريخ البشري
والمجتمع الانساني
والعمران الحضاري
اضف الي ذِلِك عبقريته فِي الفكر الاقتصادي والتربوي والسياسي وغيرها مِن الحقول المعرفية،ويشار اليه صِاحب مِنهجية فِي النظر والتفكير والبحث والتفسير،مثلث فِي زمانه قفزة لابداعية متميزة ووصفت بَعض انجازاته علي الاقل بأنها غَير مسبوقة
باعتباره مؤسسها
وأنها لَم تكُن معروفة قَبله،فَهو لَم يكن غريبا عَن مختلف ميادين المعرفة العلمية،بل كَان ذِا ثقافة موسوعية،لديه احاطة بالعديد مِن العلوم،والماما واسعا بالعلوم الاخرى،فعلي الرغم مِن تخصصه بدراسة الظواهر الاجتماعية
وتوصله الي أنها محكومة بالقوانين والسنن نفْسها الَّتِي تحكم سلوك الظواهر الطبيعية
واقامته لعلاقة قوية بَين البيئة الطبيعية(الجغرافية)
والسلوك البشري والاجتماعي والنفسي،وكذا دراسته للعلوم الاسلامية النقلية-حيثُ تشهد اسهاماته بتبحره فِي علوم القران والسنة والفقه،حتي عد مؤهلا لتولي منصب قاضي قضآة المالكية بمصر،وشهرته عِند عامة الناس بانه صِاحب الفضل فِي ارساءَ قواعد فلسفة التاريخ وصار يذكر فِي الكتب الحديثة بانه منشئ علم الاجتماع العمراني،وهَذا اعتراف بجُزء مما ابدعه الرجل:”فابن خلدون”: “يجهل قدره كثِير مِن الناس،بل أنهم يعرفونه علي أنه عالم اجتماع ليس الا.ولكن هُناك مِن اللسانيين مِن يجد فِي المقدمة مخزونا مِن الاستطرادات الثرية الَّتِي تدل علي جملة مِن الافكار اللسانية التربوية الَّتِي لاتقل أهمية عما توصل اليه البحث اللساني واللساني التطبيقي عِند الغربيين” [1] لَم يغفل الرجل عَن تقديم شتي الافكار التربوية لرجال التربية والتعليم فِي عصره
وهي جديرة بالاخذِ فِي عصرنا؛لأنها لاتقل أهمية عما يذهب اليه علم اللسان التربوي الحديث.وهَذا بَعد نقده اللاذع للطرائق التعليمية الَّتِي كَانت سائدة فِي عصره
وكيفية تادية المعلمين لها:”وقد شاهدنا كثِيرا مِن المعلمين لهَذا العهد الَّذِي ادركنا،يجهلون طرق التعليم وافاداته ويحضرون للمتعلم فِي أول تعليمه المسائل المقفلة مِن العلم ويطالبونه باحضار ذِهنه فِي حلها ويحسبون ذِلِك مرانا علي التعليم وصوابا فيه ويكلفونه رعي ذِلِك وتحصيله ويخلطون عَليه بما يلقون لَه مِن غايات الفنون فِي مبادئها.” [2]

وقد تناول فِي مقدمته عديد مِن العلوم الَّتِي صِنفها تصنيفات كثِيرة،وكان لعلوم اللسان النصيب الاوفر والجُزء الاهم
حيثُ بني اللسان العربي علي اربعة اركان ورتبها مراتب متفاوتة ومختلفة،بحسب المقاصد الَّتِي يقصدها المتكلم: “…وهي: اللغة والنحو والبيان والادب
ومعرفتها ضرورية علي اهل الشريعة…” [3]جاعلا النحو اولها،فَهو الَّذِي لَه حق التقدم علي هَذه العلوم المذكورة
اذِ هوالموصل الي صِواب النطق،المقيم لزيغ اللسان،المؤدي الي محمود الافصاح،يستعان بِه فِي فهم سائر العلوم،وكان لذلِك فِي نفْسه اغراض:” والذي يتحصل ان المقدم مِنها هُو النحو
اذِ بِه يتبين اصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل مِن المفعول،والمبتدا مِن الخبر،ولولاه لجهل اصل الافادة” [4].

كَما حرصِ المصلح الاجتماعي والتربوي علي تحديد مِنهج خاصِ بالتربية،ذلِك المنهج الَّذِي لا تختلف اسسه ومبادئه عما يدعو اليه علم اللسان التربوي الحديث،بل يتميز عَن المناهج الجديدة ببساطته وتدرجه فِي المعرفة واستناده الي الحفظ والذكر،وتمسكه ببساطة المعلم
وبنظام صِارم للثواب والعقاب.

وتظهر معالم مِنهجه التربوي فِي الطريقَة الناجعة الَّتِي رسمها فِي تعليم الناشئة،وفي تحديده للاداب والشروط الواجب توفرها فِي المعلم والمتعلم،فقد اكد صِراحة ان عملية التعلم والتعليم طبيعية فِي العمران البشري
فالانسان متميز عَن سائر خلق الله بالفكر الَّذِي يهتدي به
فَهو تواق الي تحصيل ما ليس عنده مِن الادراكات
فينشا عَن ذِلِك موقف تعلمي
وتَقوم عملية التعلم عادة علي ثلاثة اعمدة
وهي المعلم والمتعلم والطريقة
وتتحقق الاهداف التربوية والتعليمية بمقدار ما يتوفر لهَذا الموقف التعليمي مِن شروط [5]ذلِك ان التعلم عموما هو”اكتساب العلوم واجتلابها الي القلب” [6]قال ابن خلدون:”اعلم ان العلوم البشرية خزانتها النفس الانسانية بما جعل الله فيها مِن الادراك الَّذِي يفيدها ذِلِك الفكر المحصل لَها التصور للحقائق اولا،ثم باثبات العوارض الذاتية لَها أو نفيها عنها ثانيا…” [7].

ومن الصعب الفصل فِي أي علم بَين المنهج والموضوع
فبدون مِنهج تصبح كُل دراسة علمية لاي موضوع [8]او ظاهرة مستحيلة
فلايمكن تطبيق أي مِنهج
دون توفر موضوع.

وفي ضوء هَذا اورد ابن خلدون فِي اثناءَ تحديده للمنهج التربوي السليم شروطا،دينية
ودنيوية،ينبغي علي المعلم والمتعلم التحلي بها،حتي تَكون عملية التعليم ناجحة
ومثمرة،فمن البديهي ان الانسان لا يتعلم اية خبرة أو مهارة فكرية الا إذا كَان حاصلا علي الشروط اللازمة للقيام بمثل هَذه العملية،وتنحصر هَذه الشروط فِي هَذه المبادئ:

اولا: شروط المعلم(المربي):

الاحاطة بمبادئ التعليم وعدَم الشدة علي المتعلمين: يعد المعلم العنصر الاساس فِي العملية التربوية،فَهو المتصرف فِي قلوب البشر،وهو أيضا بمثابة الطبيب المعالج للنفس مِن مرضها وجهلها بالعلوم
بل ان مُهمته اخطر فيما يري “الغزالي ابو حامد” مِن مُهمة الطبيب؛لان الاول متصرف فِي العقول والقلوب فِي حين ان الثاني متصرف فِي الابدان
وشتان مابين النفس والبدن
فمهمته اذن شريفة،الي الحد الَّذِي تجعله وريثا للانبياء
ومن تصدر لهَذه المهمة فقد تقلد امرا عظيما يفرض عَليه اداب وشروطا،كان يَكون المربي قادرا علي التعليم،وذا كفاءة
غير مستبد
ولا يَكون قاسيا غليظا مَع المتعلم؛ لكي لا يجره الي الكذب:”وذلِك ان ارهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم سيما فِي اصاغر الولد لانه مِن سوء الملكة ومن كَان مرباه بالعسف والقهر مِن المتعلمين أو الممالك أو الخدم سطا بِه القهر وضيق عَن النفس فِي انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه الي الكسل وحمل علي الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما فِي ضميره خوفا مِن انبساط الايدي بالقهر عَليه وعلمه المكر والخديعة…” [9]وان يَكون ذِا ثقافة عامة تمكنه مِن افادة المتعلمين افادة متنوعة،توسع فِي الوقت نفْسه مِن افقه المعرفي وتحفظه مِن بلبلة افكارهم بالمعلومات الخاطئة أو المعارضة أو مِن مغبة التعصب الاعمي ضد العلوم الَّتِي لَم يعرفها عَن قرب أو بَعد،فالناس اعداءَ لما يجهلون كَما يقال
وان يلم بطرائق التعليم ومبادئه ومهاراته،متوقفا عِند مسائله،مستنبطا فروعه مِن اصوله
حتي يَكون التعليم مزدهرا ومحققا لاهدافه: “ان فهم المسالة الواحدة مِن الفن الواحد مشترك بَين مِن شدا الي ذِلِك الفن وبين مِن هُو مبتدئ فيه وبين العامي الَّذِي لَم يعرف علما وبين العالم النحرير…” [10]باعتبار التعلم صِناعة شأنها شان باقي الصناعات الاخري كَما ورد علي لسان ابن خلدون،فنجاحها وفشلها يرتبطان بالقائمين عَليها،والمعلمون هُم سند هَذه الصناعة
وهَذا المبدا يمثل اليَوم احدي الاهتمامات الرئيسة للمشرفين علي قطاع التربية والتعليم،حيثُ سنت الوزارة برامج تخصِ تكوين المكونين،واحدثت المراكز والهيئات لاستقبال رجال التربية والتعليم؛ وهَذا كله بهدف توسيع وتجديد معلومات المربين،وتدريبهم علي استخدام التكنولوجيا فِي العملية التعليمية.

الايجاز المفيد فِي تقديم المسائل العلمية وحسن الانتقاء: دعا ابن خلدون المربين الي عدَم الاستكتارمن العلوم الالية الَّتِي لا ينبغي ان توسع فيها الانظار ولاتوسع فيها المسائل
مِنها علي سبيل المثال لا الحصر علم النحو،وبرر ذِلِك بان التعمق والاستكثار مِن مسائله المقفلة سيخرجها عَن المقصود
ويصير الاشتغال بها لغوا،خاصة ونحن نعلم ان النحو العربي انحاءَ ومدارس مختلفة،وان الهدف الاسمي مِنه هُو معرفة صِواب الكلام مِن اخطائه،واصلاح الالسنة مِن اللحن أو اللكنة كَما قال الشاعر [11]:

النحو يصلح مِن لسان الالكن والمرء تكرمه إذا لَم يلحن واذا طلبت مِن العلوم اجلها فاجلها نفعا مقيم الالسن
وهو فِي هَذا المذهب ينحو نحو الجاحظ “ت 255ه”الذي دعا الي ضرورة تعليم النحو الوظيفي الَّذِي يجري فِي المعاملات،والتمييز بَين النحو كعلم والنحو كتعليم
تضمن ذِلِك قوله: “واما النحو فلا تشغل قلبه قلب الصبي مِنه الا بقدر ما يؤديه الي السلامة مِن فاحش اللحن
ومن مقدار جهل العوام فِي كتاب ان كتبه،وشيء ان وصفه
وما زاد علي ذِلِك فَهو مشغلة عما هُو اولي به…” [12]

وعليه فإن الاشتغال والاكثار مِن المسائل
يصير فِي رايه مِن باب اللغو،جاءَ ذِلِك فِي قوله:”… وهَذا كَما فعله المتاخر ون فِي صِناعة النحو… لانهم اوسعوا دائرة الكلام فيها نقلا واستدلالا،واكثروا مِن التفاريع والمسائل بما اخرجها عَن كونها الة وصيرها مقصودة لذاتها.وربما يقع فيها لذلِك انظار ومسائل لاحاجة بها فِي العلوم المقصودة بالذَات فتَكون لاجل ذِلِك مِن نوع اللغو،وهي مضرة أيضا بالمتعلمين علي الاطلاق” [13].

كَما نبه ابن خلدون أيضا الي ان الاختصار المخل سيحدث لا محالة ضررا فِي ايصال المعاني،والاكثار مِنها فِي العلوم يخل بالتعليم: “ذهب كثِير مِن المتاخرين الي اختصار الطرق والانحاءَ فِي العلوم يولعون بها ويدونون مِنها برنامجا مختصرا فِي كُل علم يشتمل علي حصر مسائله وادلتها باختصار فِي الالفاظ وحشو القليل مِنها بالمعاني الكثيرة مِن ذِلِك الفن وصار ذِلِك مخلا بالبلاغة وعسيرا علي الفهم…” [14].

والراي عندي ان هَذه الافكار التربوية الَّتِي اقرها ابن خلدون فِي القرن الثامن الهجري قَد اكدتها اللسانيات التربوية الحديثة.

المتابعة والاستمرار فِي تلقين العلم وعدَم الخلط بَين الفنون:

الح ابن خلدون علي عدَم الانتقال مِن مسالة علمية الي مسالة اخري قَبل فهم المتعلم للمسالة الاولى
ولذا يَجب عَليه الاستمرار فِي تلقين المسالة الواحدة الي ان ينتهي مِنها
ويتحقق ان المتعلم قَد استوعبها
وحذر مِن انقطاع المجالس والتفريق فيما بينها؛لان ذِلِك يؤدي الي النسيان اولا،ويؤول الي عدَم تعلق المسائل بَعضها ببعض ثانيا
جاءَ ذِلِك فِي قوله: “وكذلِك ينبغي لك ان لا تطول علي المتعلم فِي الفن الواحد بتفريق المجالس وتقطيع ما بينها لانه ذِريعة الي النسيان وانقطاع مسائل الفن بَعضها مِن بَعض…” [15].

كَما نبه الي عدَم الخلط بَين المسائل،في قوله: “… ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة فِي التعليم ان لا يخلط علي المتعلم علمان معا،فأنها حينئذِ قل ان يظفر بواحد مِنهما،لما فيه مِن تقسيم البال وانصرافه عَن كُل واحد مِنهما…” [16]وهو بهَذا يؤكد علي الجانب المنهجي فِي طريقَة التلقين
بعدَم الخلط بَين علمين؛لان ذِلِك مِن شانه يؤدي الي خيبة الامل لدي المتعلم،حيثُ يصرف باله،ويضعف ملكته فِي النفس أو يؤخرها علي الاقل؛ لانصراف الذهن
مما ينبغي الاهتمام بمسائل العلم المولدة للملكة العلمية [17]وعدَم الخلط بينها.

مراعآة الفروق الفردية بَين المتعلمين:

ينبه ابن خلدون مِن خِلال ارائه التربوية الي الاقرار بمراعآة الفروق الفردية بَين المتعلمين
فالعوامل النفسية والجسمية والبيئية تؤدي دورا اساسيا فِي تحديد حجْم التعلم،بحيثُ يتفاوت ذِلِك الحجم بَين فرد واخر،فالافراد يختلفون فِي درجة الذكاءَ وفي قدرة الاستيعاب: “… وهوكَما رايت إنما يحصل فِي ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض فِي أقل مِن ذِلِك بحسب ما يخلق لَه ويتيسر عَليه…” [18].

ومراعآة هَذا المبدا اكده العلم اللساني الحديث؛ ذِلِك ان الانام لا يتكلمون علي منوال واحد
بل تجدهم،حتي فِي حالة انتمائهم الي المحيط الاجتماعي نفْسه،يختلفون فِي سرعة السرد،ويتفاوتون فِي رصيدهم مِن المفردات [19] ويتمايزون مِن حيثُ الصوت
ومن جملة تلك الفروق
ما يلاحظ لدي الناس مِن ان لكُل واحد مِنهم اسلوبا ينفرد بِه فِي الانشاءَ الادبي،وفي سرعة تحصيل العلم والمعرفة.ومن هُنا طولب القائمون علي عملية التعلم ابتداءَ مِن الانبياءَ الي الاساتذة والمربين بان يخاطبوا الناس علي قدر عقولهم.

الحث علي الممارسة والتحلي بالتدرج والتكرار فِي عرض المادة: يري ابن خلدون ان الطريقَة الناجعة فِي تلقين العلوم إنما يكون:” مفيدا إذا كَان علي التدريج شيئا فشيئا وقليلا قلِيلا يلقي عَليه اولا مسائل مِن كُل باب مِن الفن هِي اصول ذِلِك الباب ويقرب لَه فِي شرحها علي سبيل الاجمال ويراعي فِي ذِلِك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عَليه حتّى ينتهي الي آخر الفن وعِند ذِلِك يحصل لَه ملكة فِي ذِلِك العلم…” [20]فيَجب علي المعلم ان يذكر للمتعلم الا ما يستطيع تحمله،مراعيا قدراته واستعداداته علي تلقي تلك المادة العلمية
وان يبتعد عَن التعقيد ويتقيد بالتدرج فِي عرض اية مسالة علمية
باعتبار التدرج أحد المبادئ المساهمة فِي نجاح العملية التعليمية
ويَكون ذِلِك ببدء المعلم بالشيء الواضح مِن العلم قَبل الغامض
وبالبسيط قَبل المعقد،وبالجُزء قَبل الكل
وبالعملي قَبل النظري،وبالمحسوس قَبل المجرد،فلا يبدا بالعويصِ مِن المسائل فيغرق فِي امور لا يحتملها
فيؤدي بِه الي الفشل
كَما ينبغي علي المعلم الاستيفاءَ بالشرح والبيان،ولا يترك عويصا ولامبهما ولا مغلقا الا وضحه،وهَذا فِي راي ” العلامة ابن خلدون” وجه التعليم المفيد والصحيح
ولن يَكون مثمرا الا مِن خِلال التكرار:”…وهوكَما رايت إنما يحصل فِي ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض فِي أقل مِن ذِلك…” [21]فالتكرار اذن مبدا ضروري لتكوين الملكة؛ لكونه عاملا اساسيا لتحقيق عملية التعلم
ذلِك ان الملكة لاتحصل الا بممارسة كلام العرب وتكرره علي السمع والتفطن لخواصه تركيبه،فهَذا التحديد للملكة اللسانية مِن قَبل ابن خلدون نراه صِالحا لان يَكون المقابل العربي لمفهوم الكفاية عِند نوام تشو مسكي
وكثرة التكرار تؤدي الي الحفظ الَّذِي يزيد صِاحب الملكة رسوخا وقوة
ولا يحصل ذِلِك الا بَعد فهم كلام العرب
ولعل هَذا ما تقره اللسانيات التربوية الحديثة،حيثُ يعمل المربون حديثا بهَذه المبادئ-التدرج
والتكرار والحث علي الممارسة فِي تلقين العلوم.

ثانيا شروط المتعلم:

الاصغاء(السمع):ان المتعلم مطالب فِي بِداية تعليمه بالاصغاءَ لمعلمه واستيعاب العلوم المختلفة عنه قَبل ان يتطرق للاختلافات مِن المذاهب
ذلِك ان السمع أو الانصات هُو ابو الملكات اللسانية فِي نظر” ابن خلدون”،فالشيء الَّذِي يعين المتعلم علي فتق لسانه بالمحاورة والكلام والمناظرة
هو الانغماس الكلي فِي وسَط لغوي عفوي
اذِ يسمع ثُم يقلد أو يردد ما يسمعه،و هَذا ما طرقه” ابن خلدون” فِي معرض تفسيره لقول العامة ان اللغة للعرب بالطبع،حيثُ يقول:”فالمتكلم مِن العرب حين كَانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام اهل جيله واساليبهم فِي مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عَن مقاصدهم كَما يسمع الصبي إستعمال المفردات فِي معانيها…ثم لا يزال سماعهم لذلِك يتجدد فِي كُل لحظة ومن كُل متكلم،واستعماله يتكرر الي ان يصير ذِلِك ملكة وصفة راسخة ويَكون كاحدهم” [22]فالتعليم فِي الصغر اشد رسوخا وهو اصل لما بَعده “لان السابق الاول للقلوب كالاساس للملكات وعلي حسب اساس واساليبه يَكون حال مِن ينبني عَليه.” [23].

وقد اكد علم اللسان التربوي الحديث علي ضرورة الاهتمام بملكة السمع باعتبارها الحاسة الاولي المساهمة فِي عملية التعلم،وهو مِن المبادئ اللسانية التربوية الَّتِي اقرها،ويسمي عِند جمهور اللسانيين التطبيقيين”الحمام اللغوي أو الانغماس اللغوي bain linguistique [24]وهي تاتي فِي المرتبة الاولى؛ذلِك ان الانسان يسمع قَبل ان يتكلم.

وهَذه الملكة تحصل فِي راي ابن خلدون:”… بممارسة كلام العرب وتركه علي السمع والتفطن لخواصِ تراكيبه وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية فِي ذِلك…” [25].

والظاهر لنا جليا ان الرجل قَد اعطي السمع الاولوية فِي امتلاك ناصية العلم،معتبرا اياه ابا لجميع الملكات؛ذلك:”ان الطبيعة وهبت الانسان لسانا واحدا،ولكنها وهبته اذنين…والحكمة فِي ذِلِك هِي ان يسمع ضعف ما يتكلم” [26]ونجد “ل.بلومفيلد” يشارك ابن خلدون فِي اعطاءَ ملكة السمع درجة مِن الاهمية
حيثُ استغل المنهجية السمعية الشفهية فِي تحليله التوزيعي للغة وفق المحورين الصرفي والتركيبي
اذِ مِن خصائصِ هَذه المنهجية [27]:

الاهتمام بالمنطوق والمسموع قَبل المقروء والمكتوب ومن ثمة العمل علي تنمية اللغة الشفهية
تقديم اللغة المراد تعليمها فِي شَكل حوار يسجل علي اشرطة مغناطيسية تتحَول بَعد ذِلِك الي مخابر اللغات.
الاعتماد علي التكرار الشفَهي المكثف مِن اجل ترسيخ الجمل المثالية
التكثيف مِن المحاكآة والحفظ ثُم إستعمال التمارين البنيوية.

الاستعداد

علي المتعلم الاستعداد للتعلم والتفرغ للعلم،والابتعاد عَن اغراءات الدنيا وشهواتها: “فان قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشا تدريجا ويَكون المتعلم أول الامر عاجزا عَن الفهم بالجملة الا فِي الاقل وعلي سبيل التقريب والاجمال والامثال الحسية ثُم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قلِيلا قلِيلا…” [28]ولن يتاتي ذِلِك الا باقامة علاقة عاطفية بَين المعلم والمتعلم
والتدرج بالمتعلم مَع تشويقه للمادة المراد تلقينها
وهَذا بَعد دراسة نفْسيته واستعداداته العقلية:” واعلم ايها المتعلم اني اتحفك بفائدة فِي تعلمك فإن تلقيتها بالقبول وامسكتها بيد الصناعة ظفرت بكنز عظيم وذخيرة شريفة واقدم لك مقدمة تعينك فِي فهمها وذلِك ان الفكر الانساني طبيعة مخصوصة فطرها الله كَما فطر سائر مبتدعاته وهو وجدان حركة للنفس فِي البطن الاوسط مِن الدماغ….ثم الصناعة المنطقية هِي كَيفية فعل هَذه الطبيعة الفكرية النظرية تصفه لتعلم سداده مِن خطئه…” [29]

ودعا ابن خلدون المتعلم الي ضرورة التحلي بالمنطق والاستمطار برحمة الله متَى اقفلت واعوز عَليه فهم المسائل
فالعلم مِن عِند الله [30].

ويعد قانون الاستعداد مِن المبادئ الَّتِي اعتمدها العالم “ثورندايك”في نظريته التعليمية،والهدف مِن ورائه هُو توضيح معني الارتياح والانزعاج،وراي أنه مفيد بالنسبة للتعلم الانساني بصورة خاصة
[31]

مرافقة وملازمة شيوخ العلم والرحلة فِي طلب العلم:

ان ترسيخ ملكة العلم يَكون بملازمة رجال العلم،ذلِك ان طرائق شيوخ العلم متعددة،فلكُل طريقته الخاصة فِي تلقين العلوم،وعلي المتعلم الَّذِي يُريد الاستزادة مِن العلم وتقوية ملكته ملازمة الشيوخ،والرحلة ان اقتضي الامر للقاءَ بشيوخ العلم:”فعلي قدر كثرة الشيوخ يَكون حصول الملكات ورسوخها والاصطلاحات أيضا فِي تعليم العلوم…فلقاءَ اهل العلوم وتعدَد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه مِن اختلاف طرقهم فيها فيجرد العلم عنها ويعلم أنها انحاءَ تعليم وطرق توصل وتنهض قواه الي الرسوخ والاستحكام فِي المكان وتصحح معارفه وتميزها عَن سواها مَع تقوية ملكته…” [32].

وقد اشار النبي صِلي الله عَليه وسلم صِراحة فِي معني قوله،انه مِن سلك طريقا يطلب فيه علما سَهل الله لَه طريقا الي الجنة وان الملائكة لتضع اجنحتها رهنا لطالب العلم.

الخاتمة

وصفوة القول ان العلامة”ابن خلدون” يعد بحق موسوعة علمية،تناولت شتي حقول المعرفة العلمية،فافكاره التربوية لاتقل أهمية عما تذهب اليه اللسانيات التربوية الحديثة،بل يُمكننا القول ان لَه فضل السبق الي كثِير مِنها
وبخاصة ما تعلق بطريقَة التدريس،والَّتِي نبه فيها المعلم الي ضرورة توخي التدرج والتكرار فِي عرض المادة العلمية،والتحلي بمبدا التشويق
مع مراعآة استعدادات المتعلمين،والاخذِ بعين الاعتبار الفروق الفردية بَين المتعلمين فِي اثناءَ تلقين العلوم،اضف الي ذِلِك تمييزه الصريح بَين اللغة كملكة
واللغة كصناعة؛اي بَين نوعين مِن المعلومات المعلومات الخاصة بالملكة والمعلومات الخاصة بالصناعة-،”فالنوع الاخير هُو اللغة كنظام وعلم مجرد وقوانين
ويمثل هَذا النوع جانب البحث
اما النوع الثاني فَهو اللغة كَانجاز أو تحقيق فعلي فِي صِورة كلام أو كتابة ويمثل هَذا النوع جانب الاستعمال” [33] ومن ثُم يُمكننا وصفه بالباحث اللساني السابق لعصره،فقد تنبه الي عديد مِن الافكار اللسانية التربوية الَّتِي يدعو اليها علم اللسان التربوي الحديث،وبخاصة ما تعلق بالشروط الواجب توفرها فِي المعلم والمتعلم،كَما اسلفنا سردها فِي متن الورقة.

السمع عنده “ابو الملكات”؛اذِ الملكة اللسانية عنده تعني المعرفة الَّتِي يكتسبها متكلم اللغة السليقي عَن لغته كلاما وفهما،ولاتحصل الا بممارسة كلام العرب وتكرره علي السمع والتفطن لخواصِ تركيبه،فالانسان يسمع قَبل ان يتكلم وهَذا ما تدعو اليه مختلف الطرائق المنتهجة حديثا فِي تعليم العلوم.

لم يكن فضل المقدمة”كتاب العَبر وديوان المبتدا والخبر فِي ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم مِن ذِوي السلطان الاكبر”علي العلوم فحسب،بل كَان فضلها عظيما علي الاداب،فكَما افادت العلوم بموضوعاتها،ومادتها؛لأنها اسست علما جديدا هُو علم الاجتماع،فقد افادت الاداب بشكلها وصياغتها واحيثُ اسلوبا عربيا قديما،فقد تحدث عَن الموشح
والازجال
والبلاغة،وانقسام الكلام الي فني النظم والنثر،وفي صِناعة الشعر ووجه تعليمه …الخ.

ان الرجل غلبت عَليه سمة المصلح الاجتماعي الَّذِي يضحي بقوته كلها وامكاناته فِي سبيل تقدم الفرد والمجتمع علي السواء؛لذلِك كَان فِي اقواله واعماله مراتا تعكْس أو ضاع المجتمع وحاجياته.،فَهو يقُوم اولا بتشخيصِ امراض مجتمعه وعلله واسقامه،ثم يشرع فِي الدعوة الي الاصلاح
بتقديم شتي الاساليب والحلول الَّتِي تستند الي رجاحة العقل والتفكير،ولعل هَذا ان دل علي شيء
إنما يدل علي اصالة فكره وقدرته الابداعية فِي صِياغة فكر انساني اصيل
اسهم مساهمة فعالة فِي المعرفة الانسانية.

Share on facebook Share on twitter Share on email Share on print More Sharing Services
29
حواشي
[1] المسدي عبد السلام
التفكير اللساني فِي الحضارة العربية
الدار التونسية للكتاب
ط 2،تونس،1986
صِ 208 237.

[2] ابن خلدون
المقدمة
ج 1
دار الجيل
بيروت
صِ 589.

[3] المصدر نفْسه
صِ 442.

[4] المصدر نفْسه
صِ 442.

[5] عبد الامير شمس الدين
الفكر التربوي عِند ابن خلدون وابن الازرق
دار اقرا
بيروت 1984
صِ 79.

[6] ابوحامد الغزالي،الاحياءَ طبعة عيسي البابي الحلبي
ج 3
القاهرة
1957 صِ21.

[7] المقدمة
صِ 428.

[8] حمانة البخاري
التعلم عِند الغزالي
المؤسسة الوطنية للكتاب
صِ 155.

[9] المقدمة
صِ 597.

[10] المصدر نفْسه
صِ 428.

[11] نقلا عَن السيد احمد الهاشمي،القواعد الاساسية للغة العربية حسب مِنهج”الالفية”لابن مالك وخلاصة الشراح لابن هشام وابن عقيل الاشموني
دار الكتب العامة
بيروت
صِ 4.

[12] الجاحظ
رسائله
تحقيق عبد السلام هارون
مكتبة الخانجي
ط 1
مصر1979
صِ 38.

[13] المقدمة
صِ 700.

[14] المصدر نفْسه
صِ 588.

[15] المصدر نفْسه
صِ 589.

[16] 16المصدر نفْسه
صِ 423.

[17] محمد فاروق النبهان
الفكر الخلدوني مِن خِلال المقدمة
الرسالة للطباعة والنشر
1998
صِ 280.

[18] المقدمة
صِ 589.

[19] حنفي بن عيسى
محاضرات فِي علم النفس اللغوي
المؤسسة الوطنية للكتاب وديوان المطبوعات الجامعية
ط 3
الجزائر
صِ 225

[20] المقدمة
صِ 589.

[21] المصدر نفْسه
صِ 589.

[22] المقدمة
ج 2
الدار التونسية للنشر
المؤسسة الوطنية للكتاب
الجزائر
1984 صِِ 723.

[23] المصدر نفْسه
صِ 594.

[24] ترجم عبد الرحمن الحاج صِالح مصطلح”Bain linguistique ” ب”الانغماس اللغوي”وهو مصطلح عربي اصيل ينظر بشير ابرير،الخطاب اللساني العربي بَين التراث والحداثة،الملتقي الوطني الثاني”الصوتيات بَين التراث والحداثة،قسم اللغة العربية وادابها
جامعة سعد دحلب
البليدة
نيسان 2002
صِ 38.

[25] المقدمة
صِ 455.

[26] نقلا عَن حنفي بن عيسى
المرجع نفْسه
صِ 89.

[27] حفيظة تازروتي
اكتساب اللغة العربية عِند الطفل الجزائري
دار القصبة للنشر الجزائر
2003
صِ 91.

[28] المقدمة
صِ 589.

[29] المصدر نفْسه
صِ 591.

[30] م
ن صِِ 592.

[31] Thorndike.E.L Human learning p1.

[32] المصدر نفْسه
صِ 598.

[33] محمد صِاري
الفكر اللساني التربوي فِي الترات العربي مقدمة ابن خلدون نموذجا الملتقي الوطني الثاني”الصوتيات بَين التراث والحداثة،جامعة سعد دحلب،نيسان 2002 صِِ 93.

ابن خلدون ليس الشعلة الاخيرة
ترجمة وتعليق زهير الخويلدي

“ان ابن خلدون كَان مكتشفا لاخطر ظاهرة فِي عصرنا وهي ظاهرة التخلف وعالجها باسلوبنا الحديث فكان زميلا لنا ومعلما” ايف لاكوست
“بعض المختصين يعتبرون ابن خلدون بوصفه مكتشف علم الاجتماع
والمؤلفات الَّتِي كتبها حَول التاريخ الكوني تبرز بشَكل حديث جداً مفهوم الحضارة
ابن خلدون امتلك الاحساس بالوحدة العضوية لمجتمع ما
وكل عنصر أو بَعد تم اعتبارهما فِي علاقة ضرورية مَع العناصر والابعاد الاخرى
علاوة علي ان صِيرورته تغذيها سَببية نوعية
لقد عاش فِي القرن الرابع عشر وكان آخر مفكر كبير للاسلام
في الاثناءَ اتجهت اوروبا بواسطة علمها وتقنيتها الي غزو الارض
انه فِي هَذه اللحظة بالذَات الَّتِي غطس فيها العالم الاسلامي فِي ليل فكري حيثُ لَن يخرج البتة”
هَذا النصِ الَّذِي نقلته الي العربية مِن الفرنسية خطير بِكُل ما فِي الكلمة مِن المعني ويعَبر عَن تمركز لوغووسي واثني وثقافي غَير مبرر فِي زمن العولمة لانه نشر مؤخرا وبعد مراجعات عديدة قام بها الفكر الغربي لنفسه وادعائه العزم علي تلطيف النظرة الي الاخر والتشريع الي التنوع والاختلاف وتوجهه نحو اجراءَ حلقات مِن الحوارات مَع الثقافات والاديان واللغات المغايرة وظل يتبني نفْس الذهنية الَّتِي تنظر الي الاخر مِن زاوية الشرفة المتعالية وتتحكم فيه عقدة التفوق والكبرياء
وخطورته تتمثل فِي توجهه نحو الاستهلاك العمومي وحكمه المسبق علي العالم الاسلامي كونه غطس فِي الظلام ولن يعود اليه النور وكون ابن خلدون هُو آخر مفكر عرفه الاسلام وانه اختصِ بالتاريخ والاجتماع والحضارة فِي حين ان هَذا الاخير اختصِ فِي مجالات مِن بينها اللغة والتربية والفن والصناعة وترك وراءه نظرة موسوعية اثرت فِي رواد النهضة الاولي ايما تاثير وساهمت مدونته فِي بناءَ الثقافة الرسمية لمعظم الدول العربية المستقلة.
ان ابن خلدون مفكر عالمي وليس مجرد باحث اسلامي وان الفكر فِي حضارة اقرا لَم ينقطع بموت ابن خلدون بل تواصل وتطور فِي قطاعات علمية اخري بشَكل لافت وان العالم الاسلامي خرج مِن عصور الانحطاط مرات عديدة وانه وجد العديد مِن العلماءَ والمفكرين والفلاسفة ورجال الاصلاح والتربية وان هَذا العالم الآن هُو بصدد الاعداد للاستئناف الثاني علي الصعيد الكوني
ان أهمية ابن خلدون ليس فَقط مِن جهة التاريخ والعمران بل مِن جهة الاخلاق والسياسة لان نظرته الواقعية مكنته مِن فهم طبيعة الملك وعلاقة الروحي بالدنيوي وتفسير كَيفية انتقال الدول مِن البداوة الي الحضارة ووضع قانون يحدد المراحل والاطوار الَّتِي تمر بها كُل دولة وهي خمسة:
– “الطور الاول: طور الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع والاستيلاءَ علي الملك وانتزاعه مِن ايدي الدولة…
– الطور الثاني: طور الاستبداد علي قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عَن التطاول للمساهمة والمشاركة…
– الطور الثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر اليه مِن تحصيل المال وتخليد الاثار وبعد الصيت
فيستفرغ وسعه فِي الجباية وضبط الدخل والخرج واحصاءَ النفقات والقصد فيها وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والامصار المتسعة والهياكل المرتفعة واجازة الوفود مِن اشراف الامم ووجوه القبائل
وبث المعروف فِي اهله…
– الطور الرابع: طور القنوع والمسالمة: ويَكون صِاحب الدولة فِي هَذا قانعا بما بني اولوه سلما لانظاره مِن الملوك واقتاله مقلدا للماضين مِن سلفه فيتبع اثارهم حذو النعل بالنعل ويقتفي طرقهم باحسن مناهج الاقتداء
ويري ان فِي الخروج عَن تقليدهم فساد امَره وانهم ابصر بما بنوا مِن مجده.
– الطور الخامس: طور الاسراف والتبذير ويَكون صِاحب الدولة فِي هَذا الطور متلفا لما جمع اولوه فِي سبيل الشهوات والملاذِ والكرم علي بطانته…”
هَذا هُو ابن خلدون عالم الانثربولوجيا السياسية يؤرخ لاطوار صِعود الدول وانحطاطها ويحذر بان الحضارة لا تدوم والدور يعود علي الجميع وينبه ان المسالة الاساسية ليست فِي البحث عَن الشروط المساعدة علي السؤدد بل عَن الشروط المبعدة للانحطاط والتخلف
فمتي تتخلي المؤلفات التاريخية الغربية عَن التمركز علي الذَات وتحترم القيم الكونية الَّتِي بشرت بها العالم وتعمل علي انصاف للاخرين فِي الحكم علي القيمة والرتبة والا ينبغي ان يفهم الاخر ان ابن خلدون ليس الشعلة الاخيرة فما رايه ان يتدبر هَذا القول مِن المقدمة:” واهل الدول ابدا يقلدون فِي طور الحضارة واحوالها للدولة السابقة قَبلهم فاحوالهم يشاهدون ومنهم فِي الغالب ياخذون
ومثل هَذا وقع للعرب لما كَان الفَتح وملكوا فارس والروم واستخدموا بناتهم وابناءهم
ولم يكونوا لذلِك العهد فِي شيء مِن الحضارة” اليست هَذه دعوة نحو التواضع والتثاقف؟
المراجع:
عبد الرحمان ابن خلدون
المقدمة
تحقيق سعيد محمود عقيل
دار الجيل
بيروت
الطبعة الاولى
2005
Christian Godin, la philosophie, Antiquité, moyen Age et renaissance, pour les nuls, First Editions, 2008
كاتب فلسفي

من هُو صِاحب مقدمة ابن خلدون!

 

عبد الله باجير

عن الشرق الاوسط

يدور فِي الاوساط الثقافية جدل صِاخب عَن صِاحب مقدمة ابن خلدون
وهَذا الجدل يتناول اجابة سؤال محدد: هَل هَذه المقدمة مِن تاليف أو وَضع ابن خلدون
ام أنه نقلها مِن رسائل «اخوان الصفا»؟

والشيء المدهش ان هَذه القضية اثيرت منذُ أكثر مِن سبعين عاما عندما نشر الكاتب والمترجم الراحل دريني خشبة فِي عام 1930 دراسة بعنوان «ابن خلدون واخوان الصفا» اشار فيها الي ان ابن خلدون اعتمد فِي مقدمته الشهيرة علي رسائل «اخوان الصفا» وانه نقل مِنها وعنها فصولا كاملة
ولم يلتفت أحد الي ما نشره دريني خشبة
وأكثر مِن هَذا ان طه حسين فِي رسالة الدكتوراه الَّتِي تقدم بها الي جامعة السوربون لَم يلتفت الي هَذه الحقيقة سواءَ فِي بحثه عَن مصادر ابن خلدون
او فيما نشره دريني خشبة علي أهميته.

ومضت ستة وستون عاما كاملة ويتوصل د
محمود اسماعيل استاذِ التاريخ الاسلامي الي نفْس الحقيقة وينشر كتابا كاملا بعنوان «نِهاية اسطورة» يقول فيه ان نظريات ابن خلدون مقتبسة مِن رسائل «اخوان الصفا»
وقد توصل الباحث كَما يقول الاستاذِ حلمي النمنم فِي مقال لَه نشر مؤخرا ان الدكتور محمود اسماعيل اكتشف هَذه الحقيقة عندما قارن بَين مقدمة «ابن خلدون» وكتابه فِي التاريخ ووجد ان الكتاب اضعف كثِيرا مِن المقدمة.

أنها بالطبع قضية شائكة
فنظريات «ابن خلدون» فِي التاريخ كَانت وما زالت موضع اهتمام عالمي باعتباره صِاحب نظرية التفسير الاجتماعي للتاريخ
فَهو ابو المؤرخين واهم مؤرخ فِي جميع العصور.

وابن خلدون ولد فِي تونس وتوفي فِي مصر 1274/ 1350 وتعود اصول اسرته الي اليمن فَهو يماني حضرمي وكان يفخر بذلِك ويشير اليه فِي كُل مؤلفاته.

وكتابه يحمل اطول اسم ربما فِي تاريخ الكتب
فعنوانه الاصلي «كتاب العَبر ودوان المبتدا والخبر فِي ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم مِن ذِوي السلطان الاكبر» واختصاره «كتاب العبر».

ولعل ذِوي الاختصاصِ والعارفين ببواطن النصوصِ يفصلون فِي هَذه القضية لنصل فيها الي نور اليقين.

اكتساب اللغة عِند ابن خلدون

عبد الرحمان العبدان

عن مجلة المعرفة عدَد62

يرجع الاهتمام بدراسة اكتساب اللغة الي تاريخ موغل فِي القدم يعود الي ما قَبل

ميلاد المسيح عَليه السلام بسبعة قرون
عندما حاول أحد ملوك الفراعنة فِي مصر ان يثبت ان المصريين هُم اصل الجنس البشري
حيثُ توقع هَذا الملك ان الطفل حديث الولادة عندما يربي فِي عزلة عَن الناس ويمنع عنه الكلام سوفَ تَكون أول كلمة يتلفظ بها باللغة المصرية
وبذلِك يدلل علي صِحة فرضيته ان المصريين هُم اصل الجنس البشري.طلب ذِلِك الملك مِن راع وزوجته ان يقوما علي رعاية طفلين مِن حديثي الولادة والا يتحدثا اليهما أو أمامهما اطلاقا
ولكن الملك اصيب بخيبة امل كبيرة عندما اخبر بان أول كلمة نطق بها الطفلان كَانت كلمة bekos بيكوس وأنها ليست كلمة مصرية
ولكنها كلمة باللغة الفريجية phrygian تعني «خبز» Berko Gleason, 1985, P24).

منذُ ذِلِك الحين وربما قَبل ذِلِك لَم يتخل الانسان عَن الاهتمام بقضية اكتساب اللغة
ولكن الاسئلة الَّتِي يطرحها العلماءَ المهتمون عَن تلك القضية كَانت تتعلق بشَكل رئيس بمسائل فلسفية عَن طبيعة الانسان
وفي منتصف القرن العشرين لقيت دراسة اكتساب اللغة اهتماما كبيرا علي اثر ظهور النظرية السلوكية فِي علم النفس والنظرية البنيوية فِي علم اللغة
ومن ثُم ظهور نظرية النحو التحويلي والتوليدي علي يد عالم اللغة الامريكي نعوم تشومسكي
وهكذا وجد علماءَ النفس وعلماءَ اللغة نقطة تقاطع تولد عنها حقل حديث هُو علم اللغة النفسي Psycholinguistics الَّذِي جعل مِن دراسة اكتساب اللغة أحد ابرز اهتماماته.وبذلِك اتاح هَذا العلم الفرصة لدراسة وبحث اكتساب اللغة الاولي عِند الاطفال واللغة الثانية أو الاجنبية لدي الكبار والاطفال معا
وتوسعت وتفرعت دراسة اكتساب اللغة لكي تشمل تطور ونمو اكتساب العناصر اللغوية المختلفة فِي جوانبها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والتواصلية.لعل هَذه المقدمة لتاريخ نشآة دراسة اكتساب اللغة تمهد الطريق لاستعراض اراءَ ابن خلدون فِي هَذه المسالة
حيثُ يتضح لنا تقارب فِي الاراءَ بَين ابن خلدون وبعض اراءَ علم اللغة الحديث فِي هَذا المجال.تناول ابن خلدون قضية اكتساب اللغة مِن منطلق ثابت مفاده ان اللغة ملكة طبيعية
يكتسبها الانسان حيثُ يقول «الا ان اللغات لما كَانت ملكات كَما مر
كان تعلمها ممكنا شان سائر الملكات» المقدمة صِِ 1080)
ويذكر ابن خلدون ايضا: «والملكات كلها جسمانية
سواءَ كَانت فِي البدن أو فِي الدماغ
من الفكر وغيره
كالحساب
والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر الي التعليم»
(المقدمة صِِ 771)ويقترب ابن خلدون فِي هَذا الراي مِن راي تشومسكي الَّذِي ذِكر أيضا ان اللغة ملكة موجودة فِي الدماغ حيثُ يقول «الدراسة المجردة لحالات ملكة اللغة يَجب ان تصوغ خواصِ تَقوم بشرحها نظرية الدماغ chomsky, 1986, p.36)
وان هَذه الملكة ليست سلوكا كَما ذِكر علماءَ النفس السلوكيون chomsky, 1959
ويتفق تشومسكي مَع ابن خلدون أيضا فِي ان اللغة تكتسب
وذلِك عندما قال تشومسكي بان الطفل يولد دون لغة محددة بعينها وسمي هَذه الحالة بالحالة الصفرية الاولي The intial zero state لكِن الطفل يمتلك نحوا كونيا أو كليا يساعده علي تعلم أي لغة يتعرض لها
بعد ذِلِك ينتقل الطفل وهو يكبر
ومن خِلال سلسلة مِن المراحل المتتابعة الي مرحلة الاستقرار The steady state Chomsky, 1980a, p,36)
اما ما ذِكره ابن خلدون مِن حيثُ ان اللغة ملكة جسمانية فانه لا يختلف عما ذِكره تشومسكي مِن ان اللغة ذَِات اصول بيولوجية «ان دراسة الاسس البيولوجية لقدرات الانسان اللغوية قَد تثبت أنها أحد اعظم المشارف الموجودة للعلم فِي السنين القادمة Chomsky, 1980b, p.216 وقد سبق ان اكد لننبيرج فكرة الاصول البيلوجية للغة Lenneberg, 1967)
وقال ستيفن بنكر Steven Pinker فِي كتابه «الغريزة اللغوية» ترجمة الدكتور حمزة الميزني)
«ويعتقد علماءَ الاحياءَ ان مورثا سائدا يتحكم فِي القدرة علي تعلم النحو» الميزني
2000
صِ 378).ولكن ما عسانا نفهم مِن قول ابن خلدون السابق «والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر الي التعليم»
وقوله كذلِك «قد ذِكرنا فِي الكتاب ان النفس الناطقة
للانسان
إنما تُوجد فيه بالقوة
وان خروجها مِن القوة الي الفعل
إنما هُو بتجدد العلوم والادراكات عَن المحسوسات..» المقدمة صِ767).ان مقولتي ابن خلدون هاتين تشيران الي حتمية وجود قوة كامنة للغة فِي جسد الانسان ونفسه
ولكن تلك القوة تَحْتاج الي التعليم مِن خِلال تجديد العلوم والادراكات عَن المحسوسات
وفي الوقت نفْسه نجد لننبيرج Lenneberg, 1967 يقول «ان اللغة سمة بشرية خاصة بالانسان تَحْتوي علي اساليب ادراك حسي معينة
وقدرات علي التصنف واليات لغوية اخرى
والجميع ذُِو اصول بيولوجية»
وبالمثل يقول تشومسكي Chomsky, 1965 «ان الطفل يمتلك خواصِ فطرية للغة تفسر مقدرته علي اكتساب لغته الام خِلال وقْت قصير
رغم الطبيعة التجريدية العالية لقواعد اللغة»
وان هَذه الصفات عبارة عَن ادآة سماها «ادآة اكتساب اللغة» ولكنه فيما بَعد سماها «النحو الكلي» الَّذِي يحتَوي علي قواعد موجودة فِي جميع لغات العالم.من ناحية اخري نجد ان ابن خلدون قَد تنبه للفرق بَين الملكة اللغوية وصناعة اللغة العربية زكريا
1986 حيثُ يقول «من هُنا يعلم ان تلك الملكة هِي غَير صِناعة العربية
وأنها مستغنية عنها بالجملة.
ذلِك ان صِناعة العربية هِي معرفة قوانين هَذه الملكة ومقاييسها خاصة
فَهو علم بكيفية وليس نفْس كَيفية»
(المقدمة 1081)
وهَذا التفريق الَّذِي ذِكره ابن خلدون بَين الملكة اللغوية وصناعة العربية فَتح الباب أمامه للاقتراب مِن تعريف تشومسكي للكفاية اللغوية competence والاداءَ اللغوي الفعلي competence performance زكريا
1986
ص42)
فالكفاية اللغوية عِند تشومسكي هِي المعرفة الضمنية غَير الشعورية بقوانين اللغة الَّتِي تمكن الانسان مِن انتاج الجمل وفهمها Chomsky, 1959)
وهَذه الكفاية تختلف طبعا عَن الاداءَ اللغوي أو صِناعة العربية
ويشرح ابن خلدون ذِلِك الفرق قائلا «وكذلِك نجد كثِيرا مِن جهابذة النحآة والمهرة فِي صِناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين
اذا سئل فِي كتابة سطرين الي اخيه أو ذِي مودته أو شكوي ظلامة أو قصد مِن قصوده
اخطا فيها الصواب وأكثر مِن اللحن
ولم يجد تاليف الكلام لذلِك والعبارة عَن المقصود فيه علي اساليب اللسان العربي
وكذلِك نجد كثِيرا ممن يحسن هَذه الملكة ويجيد الفنين مِن المنظور والمنثور
وهو لا يحسن اعراب الفاعل مِن المفعول
ولا المرفوع مِن المجرور ولا شيئا مِن قوانين صِناعة العربية»
(المقدمة 1082).وبذلِك نجد ابن خلدون يقدم تفسيرا أفضل لملكة الاداءَ اللغوية يجمع فيه بَين الكفاية اللغوية Linguistic competence البحتة حسبما عرضها تشومسكي والكفاية اللغوية الاتصالية communicative competence الَّتِي جاءَ بها هايمز Hymes, 1966 وهي مقدرة متحدث اللغة علي تنويع إستعماله لَها بحسب تنوع سياق الحال
والشاهد علي ذِلِك قول ابن خلدون «..فان كلامهم «العرب» واسع
ولكُل مقام عندهم مقال يختصِ بِه بَعد كمال الاعراب والابانة»
(المقدمة صِِ 1064)
وفي ذِلِك أيضا دلالة علي أهمية دور السياق فِي اللغة عِند ابن خلدون مِثله فِي ذِلِك مِثل اصحاب النظرية التفاعلية interactionist theory كعالم الاجتماع جوفمان Goffman, 1981 وعالم الانثروبولوجيا جمبيرز Gumperz, 1982 الَّذِي يري ان الناس الَّذِين ينتمون الي ثقافات مختلفة قَد يشتركون فِي معرفة نحوية واحدة للغة
ولكن معني كلامهم يختلف حسب السياق الَّذِي يقال فيه ذِلِك الكلام
لذلِك اهتم علماءَ التواصلية اللغوية Pragmatics بدراسة تاثير السياق اللغوي والمادي فِي استخدام اللغة Yule, 1996).اما مِن حيثُ عملية اكتساب اللغة فيقول ابن خلدون أنها تتم مِن خِلال الترعرع فِي بيئة اللغة
ومن خِلال سماع كلام المجتمع الَّذِي يتحدثها حيثُ يقول ان الانسان «يسمع كلام اهل جيله واساليبهم فِي مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عَن مقاصدهم
كَما يسمع الصبي إستعمال المفردات فِي معانيها
فيلقنها اولا ثُم يسمع التراكيب فيلقنها كذلك
ثم لايزال سماعه لذلِك يتجدد فِي كُل لحظة ومن كُل متكلم واستعماله يتكرر الي ان يصير ذِلِك ملكة وصفة راسخة ويَكون كاحدهم»
(المقدمة صِِ صِ1071-1072 ونجد ان ابن خلدون هُنا يشير الي أهمية الدخل اللغوي input فِي اكتساب اللغة كَما ذِكر اصحاب النظرية التفاعلية
(Hoff-Ginsberg and Shatz, 1982).وذلِك الدخل فِي نظر ابن خلدون هُو سماع الكلام واساليب التخاطب والتعبير عَن المقاصد وتلقن المفردات والتراكيب
ولكن يركز ابن خلدون علي الممارسة والتكرار فِي اثناءَ عملية اكتساب اللغة «وإنما تحصل هَذه الملكة بالممارسة والاعتياد والتكرار لكلام العرب» المقدمة صِ1087).ويري ابن خلدون ان هَذه العملية هِي عملية وجدانية حيثُ يقول «وهَذا امر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب
حتي يصير واحدا مِنهم» المقدمة صِ1086)
ويفهم مِن ذِلِك ان ابن خلدون يتفق مَع ما قاله سكنر Skinner, 1957 صِاحب النظرية السلوكية فِي اكتساب اللغة مِن حيثُ التركيز علي الممارسة والتكرار واهمية دور البيئة
ولكنه أيضا يتفق مَع تشومسكي Chomsky, 1959 مِن حيثُ ان عملية اكتساب اللغة امر وجداني ذِهني
وبذلِك يقف موقفا متوسطا بَين الاثنين زكريا
1986).لعل موقف ابن خلدون هَذا مِن اكتساب اللغة يقترب بَعض الشيء مِن موقف النظرية التفاعلية interactionist theory الَّتِي تري ان اكتساب اللغة لدي الطفل هُو تفاعل معقد بَين الصفات البشرية الَّتِي ينفرد بها الطفل والبيئة الَّتِي ينمو فيها مشيرة الي أهمية الدخل اللغوي
كَما اشار ابن خلدون
لكنه يري ان ذِلِك الاكتساب يرسخ بالحفظ والإستعمال حيثُ يقول «فتحصل لَه الطفل هَذه الملكة بهَذا الحفظ والاستعمال
ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة»
(المقدمة صِ1081).اما فيما يخصِ تعليم اللغة الثانية فيري ابن خلدون ان ذِلِك مُمكن لكِن يشوبه بَعض النقصِ وعدَم الكمال مُهما بلغت درجة اتقان الانسان للغة الثانية
وبذلِك يدنو ابن خلدون مِن فكرة «اللغة البينية أو الوسيطة» interlanguage الَّتِي جاءَ بها سلينكر Selinker, 1992 لوصف لغة متعلم اللغة الثانية الَّتِي قَد تحمل صِفات مِن لغته الام وصفات مِن لغته الثانية
وبعض صِفات عامة تُوجد فِي جميع أو معظم منظومات اللغة البينية أو الوسيطة).وهكذا يقول ابن خلدون «ان الملكة إذا سبقتها ملكة اخري فِي المحل
فلا تحصل الا ناقصة مخدوشة»
ويمثل ابن خلدون علي ذِلِك بقوله «وانظر مِن تقدم لَه شيء مِن العجمة
كيف يَكون قاصرا فِي اللسان العربي ابدا
فالاعجمي الَّذِي سبقت لَه اللغة الفارسية لا يستولي علي ملكة اللسان العربي
ولايزال قاصرا فيه ولو تعلمه وعلمه.وكذلِك البربري والرومي والافرنجي قل ان تجد احدا مِنهم محكَما لملكة اللسان العربي
وماذلِك الا لما سبق الي السنتهم مِن ملكة اللسان الاخر»
(المقدمة صِِ صِِ 1096 1097).اذا فِي يقين ابن خلدون ان نفْس الانسان لا تتسع لأكثر مِن ملكة لسانية كاملة واحدة
بينما تظل الاخري ناقصة ومخدوشة
(زكريا
1986)
ولكن يستثني مِن ذِلِك الاشخاصِ ثنائيي اللغة أو متعددي اللغات الَّذِين تعلموها فِي ان واحد خِلال طفولتهم
حيثُ يقول ابن خلدون «من كَان علي الفطرة كَان اسَهل لقبول الملكات واحسن استعدادا لحصولها» المقدمة صِ721 ويوضح ذِلِك قائلا «..كاصاغر ابناءَ العجم الَّذِين يربون مَع العرب قَبل ان تستحكم عجمتهم
فتَكون اللغة العربية كَأنها السابقة لهم» المقدمة صِ1054).ويشير ابن خلدون هُنا ضمنا الي وجود فترة معينة ومحددة لامكانية اتقان اللغة الثنائية وهي ما يعرف الآن بفرضية الفترة الحرجة Critical Period Hypothesis الَّتِي ذِكرها لننبيرج Lenneberg, 1967).وفي جانب آخر نجد ابن خلدون قَد فطن الي الفرق بَين التعلم والاكتساب للغة حيثُ يري ان الاكتساب هُو الَّذِي يؤدي الي حصول الملكة اللغوية
وليس التعلم الَّذِي ينتج عَن تعلم قوانين اللغة حيثُ يقول «وهَذه الملكة كَما تقدم تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره علي السمع والتفطن لخواصِ تركيبه
وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية فِي ذِلك
الَّتِي استنبطها اهل صِناعة البيان
فان القوانين إنما تفيد علما بذلِك اللسان ولا تفيد حصول الملكة فِي محلها»
(المقدمة صِ1086).وهَذا راي شديد الشبه براي كراشن Krashen, 1982 الَّذِي يري ان الاكتساب أو اللغة المكتسبة هِي الَّتِي تؤدي الي الاتصال الطبيعي الطلق
اما التعلم فليس بالامكان ان يتحَول الي اكتساب ويستشهد كراشن علي ذِلِك بامثلة كثِيرة مِن الناس الَّذِين تمكنوا مِن اتقان لغة ما دون ان يتعلموا قوانينها
بينما ان هُناك اناسا كثِيرين يعرفون تلك القوانين
ولكنهم يستمرون فِي الخطا فيها عندما يركزون انتباههم علي المعني الَّذِي يودون توصيله الي مِن يتحدثون اليه
وذلِك بدلا مِن التركيز علي التطبيق السليم لتلك القوانين مِن اجل تحقيق اداءَ دقيق وصحيح فِي تلك اللغة الَّتِي يتحدثون بها.خلاصة القول
ان ابن خلدون كَان عالم اجتماع عاش فِي القرن الثامن الهجري
الا أنه جاءَ باراءَ متطورة عَن اللغة واكتسابها
واكبر شاهد علي ذِلِك ما قاله ابن خلدون عَن تعريف اللغة «واعلم ان اللغة
في المتعارف عَليه
هي عبارة المتكلم عَن مقصوده وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عَن القصد بافادة الكلام
فلابد ان تصير ملكة متقررة فِي العضو الفاعل وهو اللسان
وهو فِي كُل امة بحسب اصطلاحاتها»
(المقدمة صِ1056).ولعل معرفة ابن خلدون بعلم الاجتماع واسهاماته الرائدة فيه جعلته ينظر الي اللغة ويعرفها مِن منظور ذِلِك العلم
لذلِك جاءَ تعريفه للغة مِن ذِلِك المنطلق
ويفهم هَذا مِن قوله «وهي فِي كُل امة بحسب اصطلاحاتها»
وبذلِك يَكون ابن خلدون قَد نبه الي العلاقة بَين اللغة والمجتمع أو الامة
وهو ما يعرف الآن بحقل علم اللغة الاجتماعي Sociolinguistics الَّذِي يهتم بدراسة هَذه العلاقة بَين استخدامات اللغة والبني الاجتماعية الَّتِي يعيش فيها مستخدمو اللغة.من ناحية اخري نجد ان تعريف ابن خلدون للغة تعريف وظيفي حيثُ يقول «وهي عبارة المتكلم عَن مقصوده»
وفي ذِلِك اشارة الي ان الوظيفة الرئيسة للغة هِي التواصل Communication والعبارة utterance ربما تاخذِ صِيغا أو اشكالا لغوية مختلفة
لذلِك نجد علم التواصلية pragmatics الحديث يركز علي هَذا الجانب فِي دراسة اللغة وهو دراسة المعني الَّذِي يقصده المتكلم فِي سياق معين وعلاقة ذِلِك بالصيغ اللغوية المختلفة Yule, 1996).والمدهش أيضا ان ابن خلدون قَد سبق الفيلسوفَ الانجليزي اوستن Austin, 1962 المتوفي فِي عام 1960 عندما قال ابن خلدون «وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عَن القصد بافادة الكلام»
فمصطلح «فعل لساني» وفكرته هما نفْسهما ما جاءَ بِه اوستن أيضا عندما تحدث عَن نظرية الحدث الكلامي Speech act theory وعندما لاحظ ان العبارات اللغوية تؤدي الكثير مِن الوظائف كجُزء مِن عملية التواصل بَين الناس
بشَكل ادق يقول اوستن ان الكثير مِن العبارات اللغوية لا يوصل معلومات
اي الاخبار عَن حقيقة معينة فحسب
بل ان معظم العبارات يقصد باستخدامها انجاز افعال أو احداث
لكن تلك العبارات تساوي احداثا.فعندما يقول شخصِ ما «اعتذر» فإن تلك العبارة توصل للسامع فِي الحال حقيقة نفْسية أو اجتماعية حيثُ ان الاعتذار يحدث عندما يعتذر ذِلِك الشخصِ وليس قَبل ذِلك.لذا نجد اوستن يسمي تلك العبارات performatives «توام» أو الافعال الانجازية.وفي الختام نامل ان تَكون هَذه المقالة قَد كشفت عَن بَعض اراءَ ابن خلدون المتقدمة فِي مسالة اللغة واكتسابها حيثُ ان هَذه الاراءَ اقتربت أو شابهت اراءَ الكثير مِن علماءَ اللغة الحديثين فِي الغرب

  • مقولات ابن خلدون الشهيرة

61٬293 مشاهدة

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى